أنظر في المرآة

نها حقيقة نفسية  أننا غالبا ما نرى في غيرنا ما لا نحبه في أنفسنا. عندما نجد أنه  توجد عندنا ناحية ما لا نتقبلها, تجعلنا طبيعتنا البشرية نخبىء هذاعن أنفسنا , وحتى أن ندعي العكس, ونقوم باسقاط وقذف المشاعر تلك على غيرنا. أسهل علينا أن نعتقد أن صديقا لنا هو كسول, من أن نتقبل أن نكون نحن الكسالى. حتى أننا قد نفترض أن شخصا آخر هو كسول ولو لم يكن لدينا الدليلا الموضوعي على ذلك.

اذا ما كنت تعتقد  أن ما لديك ليس جيدا كفاية, عندها  يحتمل أنك ستبعد هذا عن كاهلك وتلقيه على الغير, فتفكر بانهم ليسوا أكفاء, وتشعر بالأعتداد مؤمنا أنك أفضل وأذكى عوض أن تقوم بما يجب ان تقوم به كعمل داخلي وتتحمل مسؤوليته على أنه حالك أنت. عندما تصبح مستعدا لتحمل مسؤولية قضاياك ومسائلك الخاصة, وتقر بهم, تمتلك القوة للتغيير. الأقرار بهم لا يعني أطلاق الأحكام عليهم. أن الشفاء يتطلب عتق الأحكام.

اننا نمتلك قوة  أكبر بكثير مما ندرك من منطلق روحي. مثلا, اذا ما حليت نزاعا مع أحد  أفراد العائلة بقلبك وفكرك  كأن تجد تفهما وتقبلا في نفسك على  عكس ما كنت عليه سابقا, مما ينعكس على الآخر ايجابا, فيتصل بك بعد انقطاع سنوات. ان تغير رد الفعل عند الغير يعود الى أنك أنت عيرت الوتيرة الخارجية التي تجذب خبراتك, لا لأنهم هم تغيروا.

ان السلبيات كذلك تنعكس بشكل مماثل. اذا شعرت بالاستياء  معظم الوقت بسبب المصاعب التي واجهتها  في حياتك, فالمحتمل أن تجتذب المزيد مما يزيد استياءك , كما أنك ستجذب اليك أشخاصا آخرين هم بدورهم مستاؤون , ربما منك أنت أيضا. سترى كذلك الكثيرين مستائين, حتى وأن لم يكونوا فعليا كذلك.

انك تخلق ما تركز عليه, حتى دون أن تعي ذلك. لست أنت  من جعل الآخر غاضبا, مستاء, مجادلا, .. اذ ان كل شخص مسؤول عن نفسه, ألا أنك أنت من " جذبهم" الى عالمك, فالطيور على اشكالها تقع. بهذه الطريقة, تكون الحياة مرآة لما يدور بداخلك.

ان مسائل حياتك  لا علاقة لها بالشخص الآخر, فهي  في الحقيقة تخصك أنت. فكر بكل من يزعجك في حياتك- من يتسبب لك بالتعاسة, وصف كلا منهم بكلمة واحدة. قد تستعمل كلمة "خسيس" لمن يرفض أن يعيرك اسطوانته المدمجة, أو كلمة " متحدي, ابق في الحسبان امكانية ان هذه الصفات قد تكون فعليا صفاتك انت, التي تنكرها وترفضها. ان من حولنا قد يشكل لنا مرآة لما نرفض أن نتقبله. فكر فقط كيف يمكن لك أن تكون "خسيسا" , وهل أنت أحيانا " متحديا"؟ أيمكن كذلك أن تكون متطلبا وتفتقد لحس الدعابة؟

يمكنك أن تستفيد من هذه  المعلومات لترى نفسك بموضوعية أكثر, ولتنتشل أكثر, ولتنتشل ما قد دفنته  سابقا الى السطح.

من المهم أن ندرك ان العكس صحيح أيضا, لذا كرر التمرين  السابق انما عن الأشخاص الذين تحبهم في حياتك, وقم بكتابة لائحة بصفاتك الايجابية. ان الناس يعكسون أيضا النةاحي الايجابية التي لا نلاحظها أو نعترف بها لأنفسنا.

ان المعتقدات وما  ينتج عنها  من مشاعر لدينا , سواء أكانت واعية ام مكبوتة, ام مهملة ترسم لنا مجرى حياتنا. ان هذا يشمل العلاقات التي تجد أنك انت تجلبها الى حياتك. هل تقدر أن تعيد النظر بأهم العلاقات عندك وترى نمطا؟ غالبا ما نجذب نفس النوعية من الأشخاص تكرارا وذلك بسبب حاجتنا اللاواعية للعمل على حل مسائلنا الماضية. كل شخص يشكل مرآة, انعكاسا للطاقة التي نبثها للعالم. اامضي قدما نحتاج أن نغير الطاقة التي نوظفها لجذب ال اشخاص والظروف التي تتناسب مع أهدافنا, مع نفسنا الحقيقية لا مع مشاكلنا المكبوتة العالقة منذ الطفولة او القرارات التي قمنا بها كنتيجة لتجارب مؤلمة في الماضي. ان وضع اللوم على الغير يحضر لمرحلة تسمح لهذا الموقف بالظهور ثانية الى أن نقر بدرس الحياة ونتطور كاشخاص. ان الشفاء يتبع تحمل المسؤولية وتغيير مفاهيمنا تجاه الاحداث أو الأشخاص.

 الى أن نبلغ مرحلة الوعي الكامل عاطفيا وروحيا سنظل نجذب الظروف التي تبدو مألوفة, حتى وأن كانت مدمرة لنا. ان السر يكمن في أن ندرك الدروس التي تعكسها لنا أوضاع حياتنا, بحيث نعي مشاعرنا ومعتقداتنا الخفية الخاطئة, عن أنفسنا أولا, ثم نمضي للأمام بدءا من هذه المرحلة. اذا تعلمنا أن نحب ونقدر أنفسنا بصدق, تصبح هذه هي القوة التي نبثها للعالم وتنعكس علينا بالتالي.

القوة هي في ان تدرك أنك أنت مصدر حياتك- انك أنت تخلق واقعك الذاتي (معتقداتك) مما ينعكس في العالم المادي عبر قوة الله, التي يشكل كل منا جزءا منها. ان التردد والذبذبة والطاقة لقوة الله هي المحبة. لو لم يكن وجودنا من المحبة لارتد علينا وصفع خدنا فنتعلم من ذلك. هذا ما يسمى بالكارما – القدر.

كي نستطيع أن نقوم بالخلق عبر ترددات الحب الغير مشروط, يجب أن تكون عقولنا صافية . أذا ما حاولت أن تظهر معتقدا لا يتناسب كليا مع ايمانك, أي أنك كنت تكبت هويات ومعتقدات مضادة, عندها يمكن لهذا أن يؤدي الى الانفصال عن الواقع-وعدم التوافق مع العالم الذي لا يتناسب مع ما تتمناه. قد يمسي المرء مشوشا تجاه ما هو عقلي وشخصي, او تجاه ما هو واقع مادي موضوعي.

نحتاج الى تقنيات فعالة وقائمة على أساس ثابت للحصول على فكر جلي متواز نخلق منه "كمصدر"-متصل ومتحد بالله. انها ناحية مضللة (مخادعة) بما أن مفاهيم خلق الواقع هي وجهة نظر عالية المستوى وتخالف التفكير الذي تعلمناه من حضارتنا. كمصدر "يعلم" المرء ببساطة في حين انه من وجهة نظر لعبة الحياة " يتمنى" المرء أو "يريد" وغالبا ما "يحتاج" و"يخشى".

كجزء من الله يكون المرء مسؤولا عما هو كائن- كشخص منفرد  يكون المرء مسؤولا ببساطة عن نفسه وأن يتصرف بشكل أخلاقي لا يؤذي حقوق وحريات الآخرين. ان المرء مسؤول أيضا عن تنفيذ التزاماته واتفاقياته.

لذلك من المهم  أن يقوم المرء باعطاء هذه الالتزامات والأتفاقيات  بوعي كي يكون سعيدا أثناء القبام بما عليه عمله.

اذن نحن في آن واحدصانعو  اللعبة ولاعبوها. وأشعر أنه من المهم ادراك هذه النواحي المكملة وان كانت مختلفة لنواحي كياننا- النفس الروحية العليا والكائن البشري ( شخصية الجسد والعقل المادية) التي تتطابق وتندمج بشكل عميق مع لعبة الحياة.

ان أفضل ما يمكننا فعله هو أن نحيا الحياة بوعي اكثر. مثلا, عندما يقوم شخص ما بايذاء الآخرين, سواء أكان ذلك قصدا ام خطأ, يمكنه أن يتحمل المسؤولية أو أن يجعل نفسه محقا بهكذا وضع, ويبرر عمله على أنه لم يكن خطأ بل أنه كان عملا مبررا. انا محق, الآخر مخطىء. انها لحلجة انسانية أن تكون على حق, ولكننا لا نعي ذلك تماما. ان هذا التبرير يؤمن دافعا للعمل ويعبر عنه غالبا على أنه انتقاد لضحية الخطأ. انها وجهة نظر "طفولية" مقابل وجهة نظر "ناضجة" مسؤولة.

ان النقد والنميمة غالبا ما يكونان أسقاطا لمشاعر ذنب  أو خجل مكبوتة. اذن, يحصل دائما أن يتم نقد أحد ويكون النقد غير دقيق. ربما يكون النقد معمما أكثر من اللازم, ربما يكون جزء منه صحيحا وجزء خطأ, أو ربما كله خطأ, الا أنه يدل كيف يرى الشخص الآخر الأمور من منظار فكرة ثابتة عنده (كالتي تنتج عن تبريرات أعمالهم). انما على كل حال, النقد يجبر الشخص لأن يراجع الأمور مع ذاته ويتساءل- أيمكن أن يكون ذلك صحيحا؟ هل من أساس لذلك؟ ان القيام بذلك قد يؤدي الى كبس زر التشغيل, أو اثارة خوف ما, وقد يعيد ايقاظ تجربة قديمة مؤلمة تشابه الوضع الحالي ( حيث كان النقد ليكون دقيقا في ظروف مغايرة).

اذن, لقد قام الأنتقاد بتشغيل أزرار لأشياء يمكنك فعليا  ان تتعلم منها. الا أنه من المهم  أن لا تتماثل مع النقد, وعليك أن تنفصل عن وقائع الأمر, أي عما يجري مع هذا الشخص وأفكاره وأعماله ومشاعره, وما يصح لك قوله والقيام به.

اذا كنت على وضوح داخلي لما هو صحيح, ولا تحمل على  عاتقك اسقاط مشاعر الآخرين  وكأنها تخصك, عندها يمكن لك ان ترتاح  وتتعامل معها من وجهة نظر محبة وتعاطف- وهذا ليس تهاونا أو تصرفا غير منطقي. يعمل القلب والفكر معا¸يحتاجان لبعضهما, كي يتم القيام بالأشياء –الصحيحة- بشكل فعال.

غالبا ما توجد الصراعات بين الناس. تذكر ان الصراع –بالنسبة لك – لا يوجد الا اذا أنت قمت بخلقه. نعم للآخر وجهة نظر تختلف معها. حسنا, قد تقدر أن تعرفه على وجهة نظر مختلفة, وقد لا تقدر. حتى وان رأى هو الأمر نزاعا, ليس لزوما بالضرورة أن ترى الأمر بشكل مماثل.

اذن, الهدف هو أن تتقبل  أنت وجهة نظره المختلفة- أن تعطيها الحق بالوجود, حتى ولو لم تكن موافقا بالضرورة عليها. في الكون متسع لكل  وجهات النظر.

ان لم تشعر بالتعاطف مع الآخر, فكر: ما هو الخطر الذي تشعر انه يهددك منه؟لم تشعر بالنقص في هذا المجال؟ ما هي الحاجة التي تتوافق مع هذا النقص؟ ما هو المعتقد وراء ذلك, ومن اين نشأ؟ هل يمكن أن نغيره للأفضل؟

غالبا ما نضطر للتعامل  مع الخيبة- أغدقنا حبا جما الا  أنه لم يتم تلقيه, مما أسفر عن حائط فاصل. ان العلاقات تتراجع عندما ينقطع التواصل- عندما نمتنع عن الأدلاء بآرائنا لخوفنا مما قد يفكر به الآخر. ان هذا محبط, والثمن (الذي هو دائما الخيبة عند عدم تبادل المحبة) يزيد ويتم كبته, اى أنه يبقى موجودا كحائط بينكما. فقط عندما ندرك أننا نحن من يخلق هذا الحائط يمكننا أن نهدمه, ووحده التواصل الصادق يمكنه أن يعيد العلاقة الى ما كانت عليه.

قد نشعر كذلك أننا ملزمين على مساعدة شخص آخر لشفاء  جروحه. ان هذا المعتقد بحاجة للتوضيح, لأنه يؤدي الى علاقة تواكل مما لا يفيد الطرفين. يجب أن نكون على بينة من أن مشاعرنا تجاه الشخص الآخر لا تتأثر بمشاعرنا الذاتية (اسقاط). كذلك علينا أن نميز بين اعتناق محب للآخر ومشاعره,(كنتيجة لما يعانيه من خيبات ومعتقدات مشوشة), وبين التعاطف, والذي عادة يكون تماثلا وتطابقا مع الآخر مما لا يفيد الفريقين. ان الشخص الوحيد الذي يقدر أن يشفي الآخر هو الأنسان ذاته.يمكننا المساعدة اذا ما أراد ذلك الشخص الآخر, وطلبه منا, ولكن هذا كل شيء, فان لم يرد ذلك , فهذا حقه.

ان العذاب المزروع  في قلوبنا وعقولنا من الماضي لا يشكل حاجزا فعليا أمام حل معتقداتنا  المتناقضة في الحاضر. اننا نشعر به الآن فقط لأننا نعيد خلقه في الحاضر, بدون وعي, (اذ أنه يشكل حلا آمنا لنا, ام تبريرا أو شرحا لمشاكلنا). عندما نتعلم أخيرا الدروس من تجاربنا السابقة -الآن- ونفلت من المعتقدات التي لا تخصنا فعلا, تكون نهاية الروابط مع الماضي, لأننا لن نعود لخلق تلك الأشياء. لقد أصبحنا واعين لذلك, ونحن لن نقوم بوعي منا بخلق ما هو سيء لنا